عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

222

اللباب في علوم الكتاب

قال تعالى : « ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ » « 1 » ، وقد يطابق ، ومنه هذه الآية وأما إفراد « مثلنا » ، فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير ، ولا يؤنث أصلا ، وقد يطابق ما هو له تثنية لقوله : « مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ » « 2 » وجمعا كقوله : « ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ « 3 » » « 4 » . وقيل : أريد المماثلة في البشريّة لا الكمية « 5 » . وقيل : اكتفي بالواحد عن الاثنين « 6 » . « وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ » « 7 » جملة حالية . فصل : [ في معنى : « فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا » ] « فقالوا » يعني لفرعون وقومه « أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا » يعنون موسى وهارون « وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ » مطيعون متذللون « 8 » . قال أبو عبيدة : والعرب تسمي كل من دان لملك « 9 » عابدا له « 10 » ويحتمل أن يقال « 11 » : إنه كان يدعي الإلهية ، وإن طاعة الناس له عبادة ، ولمّا خطر ببالهم هذه الشبهة صرحوا بالتكذيب ، ولمّا كان التكذيب كالعلّة لهلاكهم لا جرم رتّبه عليه بفاء التعقيب ، فقال : « فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ » أي : بالغرق ( أي : فيمن حكم عليهم بالغرق ) « 12 » فإن الغرق لم يحصل عقيب التكذيب ، ( إنما حصل عقيب التكذيب ) « 12 » حكم اللّه - تعالى - عليهم بالغرق في الوقت اللائق « 13 » به . قوله : « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » قيل : أراد قوم موسى ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولذلك أعاد الضمير من قوله : « لعلّهم » عليهم « 14 » . وفيه نظر ، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى موسى ، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى . قال الزمخشري : لا يجوز أن يرجع الضمير في « لعلّهم » إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون ، بدليل قوله تعالى « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى « 15 » » « 16 » .

--> ( 1 ) من قوله تعالى : قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ [ يس : 15 ] . ( 2 ) من قوله تعالى : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [ آل عمران : 13 ] . ( 3 ) من قوله تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [ محمد : 38 ] . ( 4 ) انظر التبيان 2 / 956 . ( 5 ) المرجع السابق . ( 6 ) المرجع السابق . ( 7 ) في ب : عابدين . وهو تحريف . ( 8 ) انظر البغوي 6 / 20 . ( 9 ) في ب : الملك . ( 10 ) مجاز القرآن 2 / 59 . ( 11 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 102 . ( 12 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 13 ) آخر ما نقله عن الفخر الرازي 23 / 103 . ( 14 ) انظر البحر المحيط 6 / 407 . ( 15 ) [ القصص : 43 ] . ( 16 ) الكشاف 3 / 49 .